الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
175
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
1 . التبادر قيل في تعريفه : إنّه انسباق المعنى إلى الذهن من حاقّ اللفظ « 1 » ، ويراد من حاقّ اللفظ ما يقابل الانسباق الحاصل من وجود القرينة ، وقيل غير ذلك « 2 » ، والمقصود واحد . ثمّ إنّ التبادر علامة يعوّل عليها كلّ مستعلم في اللّغة صغيراً كان أو كبيراً ، بل أهل اللّغة أيضاً في كثير من الموارد حتّى الصبيّ عند تعلّمه من امّه وأبيه ، فإنّ الصبيّ إذا رأى انسباق معنى إلى أذهان والديه فيما إذا أطلق لفظ يستنتج أنّ هذا اللفظ وضع لذلك المعنى ، مثلًا إذا سمع لفظ الماء من والديه ، ثمّ رأى إتيان هذه المادّة السيّالة يعلم الصبيّ أنّ معنى الماء ليس إلّاهذا ، وهكذا يعتمد في فهم معاني الألفاظ غالباً ، بل يكون هذا هو السبيل لمعرفة معاني الألفاظ للذين يتعلّمون لغة جديدة بالمعاشرة مع أهلها ، فالتبادر من أهمّ علائم الحقيقة والمجاز ، فإنّه المدرك الوحيد في الغالب لفهم اللغات من أهلها . وهنا أمور ينبغي التنبيه عليها : الأوّل : منشأ ظهور لفظ في معنى ومنشأ تبادر ذلك المعنى من ذلك اللفظ لا يخلو من أحد الأمرين : إمّا الوضع أو القرينة ، فإذا انتفت القرينة وعلم أنّ المعنى فهم من حاقّ اللفظ كما هو المفروض في المقام يستكشف منه وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى . الثاني : قد يقال : كون التبادر علامة للحقيقة يستلزم الدور المحال ، لأنّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع ، والمفروض أنّ العلم بالوضع يتوقّف على التبادر وهذا دور واضح .
--> ( 1 ) . هداية المسترشدين ، ج 1 ، ص 226 ؛ منتهى الأصول ، ج 1 ، ص 40 ( 2 ) . مبادي الوصول ، ص 74 ؛ قوانين الأصول ، ج 1 ، ص 13